1. الخلفية والسياق السياسي العام

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، مرّت البلاد بتحولات عميقة، أبرزها انهيار سلطة النظام المركزي في عدة مناطق وظهور قوى متعددة تسيطر على الأرض. وفي شمال غرب سوريا، تسيطر اليوم هيئة تحرير الشام (التي تشكلت من جبهة النصرة سابقًا) بقيادة أبو محمد الجولاني. ورغم محاولاتها تقديم نفسها كسلطة مدنية ذات مشروع حكم محلي، إلا أنها تُتهم من أطراف حقوقية ومدنية بأنها تمارس نوعًا جديدًا من الاستبداد، قائم على خلفية أيديولوجية متطرفة تُقصي المخالف وتفرض وصايتها بالقوة. ضمن هذا السياق، تبرز ظاهرة لافتة: بعض الأصوات من الأقليات الدينية والثقافية (مثل بعض الشخصيات المسيحية أو العلوية) التي تظهر مواقف داعمة أو متفهمة لخطاب القوى الحاكمة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت شعارات مثل “بناء الدولة”، “تحقيق الاستقرار” أو “تأمين التعددية”.

يمكن للأمة أن تنجو من الحمقى، وحتى من الطموحين. لكنها لا تستطيع النجاة من الخيانة من الداخل. العدو على الأبواب أقل خطورة، لأنه معروف ويحمل رايته علنًا. لكن الخائن يتحرك بحرية بين أولئك داخل البوابة، همساته الماكرة تتردد في أروقة الحكومة نفسها. لأنه لا يبدو خائنًا — يتحدث بلهجة مألوفة لضحاياه، ويرتدي وجههم وملابسهم، ويخاطب الدناءة الكامنة في قلوب جميع الناس. إنه يُفسد روح الأمة — يعمل سرًا ودون أن يُعرف لتقويض دعائم المدينة — يُصيب الجسد السياسي بحيث لا يستطيع المقاومة. القاتل أقل ما يُخشى منه.”

شيشرون، 42 قبل الميلاد

نقد ظاهرة تعاطي بعض شخصيات الأقليات مع السلطة

أمثلة مثل الأب سبيريدون طنوس، أو شخصيات سياسية مثل هند قبوات أو الكاتبة ندى مشرقي، تطرح تساؤلات حول حدود دور المثقف أو رجل الدين أو الناشط من الأقليات في ظل سلطة متطرفة. هؤلاء غالبًا ما يبررون مواقفهم بأنهم يسعون إلى المشاركة في بناء دولة مدنية أو حماية طوائفهم من الفوضى، لكن في واقع الأمر، هذه المواقف تُستخدم من قبل القوى الحاكمة كأداة لإظهار “التنوع” و”الشرعية المجتمعية”.

المشكلة لا تكمن فقط في النوايا، بل في النتائج: فهذه التصرفات تعطي غطاءً رمزيًا لقوى لا تعترف فعلًا بحقوق الأقليات، بل تستغلها في لعبة البروباغندا. والأسوأ من ذلك، أن هذه المواقف قد تُستخدم لتجريم طائفة كاملة أو إلصاق تهم الخيانة أو التعاون بها، مما يزيد من هشاشة هذه الطوائف ويعرضها للنبذ المجتمعي أو الانتقام في حال تغيّر موازين القوى.

3. التأثيرات العكسية على الطوائف ذاتها

عندما يختار أفراد من الأقليات الاصطفاف مع سلطة استبدادية أو متطرفة، فإنهم – غالبًا دون وعي – يربطون طوائفهم كاملة بمصير هذه السلطة. وعند سقوط السلطة أو انكشاف وجهها الحقيقي، تكون الطائفة أول من يدفع الثمن سياسيًا واجتماعيًا.

التاريخ القريب والبعيد يعجّ بأمثلة عن طوائف حُمّلت مسؤولية أنظمة لم تكن تملك قرارها، فقط لأن بعض نخبها تصدرت المشهد. لهذا، فإن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها أبناء الأقليات لطوائفهم هي الحفاظ على استقلالهم الأخلاقي والسياسي، وعدم السماح باستغلالهم كواجهة لأي مشروع سلطوي.

لمحات تاريخية: حين تماهت الأقليات مع الاستبداد

تكررت في التاريخ ظاهرة التحالف المؤقت بين نخب من الأقليات الدينية أو الثقافية والأنظمة الاستبدادية. هذا التحالف غالبًا ما يُبنى على وعود بالتمثيل أو الحماية أو تمكين سياسي، لكنه سرعان ما يُظهر طبيعته الانتهازية. الأنظمة القمعية لا ترى في هذه النخب سوى أدوات تجميل أو توازنات ظرفية، سرعان ما تستغني عنها إذا استنفدت غرضها.

– الدولة العثمانية ونظام الملل:

اعتمدت السلطنة العثمانية نظام الملل كوسيلة لتنظيم الطوائف دينيًا وقانونيًا ضمن الدولة. وقد منحت هذا النظام الطوائف المسيحية واليهودية نوعًا من الاستقلال الذاتي، لكنها في الوقت نفسه حمّلت رؤساء الطوائف مسؤولية ولاء أتباعهم للدولة. هذا النوع من العلاقات جعل كثيرًا من الزعامات الدينية متماهية مع السلطة، وأحيانًا شريكة في قمع أفراد طوائفها ممن تمردوا أو طالبوا بإصلاح.

– شاه إيران (قبل الثورة الإسلامية 1979):

كان النظام الملكي في إيران حريصًا على إظهار صورة «الدولة المتسامحة» عبر إبراز مشاركة الأقليات الدينية مثل اليهود والزرادشتيين في البرلمان، لكن فعليًا كان ولاء هذه الأقليات مشروطًا ومحددًا ضمن سياق بروباغندا النظام. وعندما اندلعت الثورة، لم تحمِ هذه العلاقة الرمزية تلك الأقليات من التهميش أو حتى الهجرة الجماعية.

– لبنان قبل الحرب الأهلية (1975):

التركيبة الطائفية في لبنان وفّرت تمثيلًا رمزيًا للأقليات في مؤسسات الدولة، لكنّها كانت في كثير من الأحيان غطاءً لتقاسم مصالح النخبة السياسية. وقد أدى هذا التوزيع الهش للسلطة إلى تفكك سريع عند أول اختبار جدي، فانفجرت الحرب الأهلية وكان من نتائجها تهجير جماعي وتدمير للثقة بين مكونات المجتمع.

– سوريا في عهد الأسد الأب:

بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة، أُدمجت شخصيات من الأقليات – خاصة من الدروز والمسيحيين – في مناصب سياسية أو رمزية داخل الحكومة، دون أن يكون لها تأثير فعلي على القرار. هذا الدمج لم يكن تعبيرًا عن شراكة حقيقية، بل استراتيجية لضمان ولاء الأقليات أو تحييدها سياسيًا. وتم استخدام هؤلاء لتمثيل صورة «سوريا التعددية»، في الوقت الذي كانت السلطة الأمنية تُقصي الجميع.

تحليل:

في كل من هذه الحالات، لم تكن مشاركة النخب من الأقليات في الحكم ناتجة عن مساواة حقيقية أو شراكة مواطنية، بل كانت ضمن إطار تحالفات هشّة. النظام يستخدمها لأهداف داخلية (تفتيت المجتمع، كسر الاحتجاجات) وخارجية (تبرير شرعيته دوليًا)، لكنها لا تحظى بثقة النظام ولا المجتمع، وغالبًا ما تتحول إلى كبش فداء عند الأزمات.

وهذا ما نخشاه اليوم في سوريا: أن تكرار هذه التجارب يؤدي إلى نتائج كارثية على الطائفة ذاتها، إذ تُربط بالمستبد وتُحاسب معه، رغم أن الغالبية من أبنائها لا علاقة لهم بهذه النخب المتماهية مع السلطة.

5. حول مصير الأنظمة: لا بقاء للاستبداد مهما طال

التاريخ لا يرحم الأنظمة المبنية على الاستبداد والتسلط باسم الدين أو الطائفة. من الشاه في إيران، إلى نظام البعث في العراق، إلى القذافي في ليبيا، كلها أنظمة بدت صلبة لعقود، لكنها انهارت بسرعة عندما فقدت السيطرة على المجتمع أو سقطت شرعيتها أمام الخارج.

الأنظمة التي تستخدم الدين أو الطائفة كأداة حكم، تفقد في النهاية القدرة على التماسك، لأنها لا تبني دولة، بل تبني شبكة مصالح. وهذا ما سيواجهه النظام القائم اليوم شمال غرب سوريا، عاجلًا أم آجلًا، خاصة إن استمر في تغييب الحريات ومصادرة التنوع.

الدرس الأهم الذي يجب أن نتعلمه: لا يمكن ضمان مستقبل أي طائفة أو أقلية عبر التحالف مع سلطات قمعية. وحدها الدولة المدنية التي تحترم الجميع وتقوم على القانون والمواطنة قادرة على حماية التعدد، لا تلك التي ترفعه شعارًا وتطعن به واقعًا.


رد واحد على “بين النيّة والمآل: كيف تساهم مواقف بعض النخب من الأقليات في شرعنة السلطة القمعية في سوريا”

  1. الصورة الرمزية لـ رؤى
    رؤى

    الانظمة التي تستخدم الدين او الطائفة كأداة للحكم..تفقد في النهاية القدرة على التماسك لأنها لاتبني دولة بل شبكة مصالح
    وحدها الدولة المدنية التي تحترم الجميع وتقوم على القانون والمواطنة..

    مختصر الكلام وياريت الكل يفهمو ويتطبق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *